حين تتغير القيم هل نحن أمام أزمة مجتمع أم تحوّل طبيعي؟

فتوتة هنون

فتوتة هنون

كاتب رأي في نبض الصحراء

في كل مرحلة من التاريخ يطرح المجتمع على نفسه السؤال ذاته، وإن اختلفت صياغته هل نحن نتقدّم أم نفقد شيئًا من أنفسنا اليوم ومع تسارع إيقاع الحياة وتداخل الثقافات وتنامي تأثير التكنولوجيا، يعود هذا السؤال بإلحاح أكبر هل ما نعيشه أزمة قيم حقيقية، أم مجرد تحوّل طبيعي تفرضه تحولات الزمن؟


لم تعد القيم كما كانت قبل عقود ما كان يُعدّ من المسلّمات أصبح محل نقاش وما كان مرفوضًا بات يُنظر إليه بعيون مختلفة في الأسرة، تغيّرت أنماط التربية وفي العلاقات الاجتماعية تراجعت بعض مظاهر الترابط لصالح الفردانية حتى مفاهيم مثل النجاح الاحترام، والالتزام، لم تعد تحمل المعاني نفسها لدى الجميع هذا التحول لا يمكن إنكاره لكن تفسيره يظل مفتوحًا على أكثر من قراءة.


يرى البعض أن ما يحدث هو تراجع خطير في منظومة القيم، وأن المجتمع بدأ يفقد توازنه الأخلاقي تحت ضغط المادية والسرعة واللهاث وراء المظاهر بالنسبة لهؤلاء، لم يعد الصدق أولوية كما كان ولا الوفاء قيمة ثابتة، بل أصبح كل شيء خاضعًا لمعادلات الربح والخسارة ويستدلون على ذلك بتنامي مظاهر الأنانية، وضعف الروابط الأسرية وانتشار خطاب سطحي يغذي التفاهة أكثر مما يعزز الوعي.


في المقابل هناك من يرى أن ما نعيشه ليس أزمة، بل تحوّل طبيعي في بنية المجتمع فالقيم في نظرهم، ليست جامدة بل كائن حي يتطور مع الزمن ما يبدو للبعض انهيارًا، قد يكون في الحقيقة إعادة تشكيل تفرضها ظروف جديدة مثل الانفتاح العالمي وثورة الاتصال، وتغيّر أولويات الأفراد هؤلاء يعتبرون أن كل جيل يعيد تعريف القيم بما يتناسب مع واقعه، وأن الصراع بين القديم والجديد ليس إلا مرحلة انتقالية.


غير أن الحقيقة ربما تقع في منطقة وسطى بين الرأيين فليس كل تغير تراجعًا وليس كل تطور تقدمًا هناك قيم أساسية تشكل العمود الفقري لأي مجتمع كالصدق، والعدالة، والتضامن وهذه لا ينبغي أن تكون محل مساومة أو تبديل وفي الوقت نفسه هناك قيم قابلة للتجدد والتأقلم مثل أنماط العيش والتفكير والتعبير، وهي التي تسمح للمجتمع بأن يواكب العصر دون أن يفقد هويته.


التحدي الحقيقي لا يكمن في رفض التغيير أو القبول به بشكل مطلق بل في القدرة على التمييز ماذا يجب أن نحافظ عليه؟ 


وماذا يمكن أن نعيد صياغته فالمجتمع الذي يرفض كل جديد يتجمد والذي يتخلى عن كل قديم يضيع وبين هذا وذاك تبقى المسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمدرسة، والإعلام، وكل فرد يدرك أن القيم ليست مجرد شعارات بل سلوك يومي يُمارس ويُعاش.


في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو هل نحن في أزمة أم في تحوّل؟ 

بل كيف نُدير هذا التحوّل دون أن نخسر أنفسنا لأن المجتمعات لا تُقاس فقط بما تغيّر فيها، بل بما استطاعت أن تحافظ عليه وهي تتغيّر. 


بقلم الإعلامية ✍️فتوتة هنون

مشاركة:

أضف تعليقك

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد.