المهرجان الدولي للفيلم بالداخلة.. حين تصبح السينما رافعة لتنمية المدن وصناعة الإشعاع

سمية مسرور

سمية مسرور

كاتب رأي في نبض الصحراء

لم يعد المهرجان الدولي للفيلم بالداخلة مجرد موعد سينمائي سنوي يمرّ على أجندة الفعاليات الثقافية، بل أصبح علامة فارقة في مسار تثمين الثقافة كرافعة للتنمية وإعادة تعريف علاقة المدن بالصورة والإبداع. فـالمهرجان الدولي للفيلم بالداخلة لم يعد يُقاس فقط بما يعرضه من أفلام، بل بما يصنعه من أثر اقتصادي وثقافي ورمزي يمتد إلى ما بعد أيام العرض والاحتفاء.

في مدينة الداخلة، يتحول الفن السابع إلى لغة تنموية بامتياز. فالمهرجان لا يكتفي بجلب صناع السينما من مختلف القارات، بل يعيد تشكيل صورة المدينة في المخيال الدولي، باعتبارها فضاءً مفتوحاً على الإبداع، ووجهة قادرة على استضافة فعاليات ثقافية ذات مستوى عالمي. وهنا تكمن القيمة الحقيقية: تحويل المكان من جغرافيا إلى فكرة، ومن مدينة إلى رمز.

إن قوة هذا المهرجان لا تكمن في حجمه فقط، بل في نوعية التحول الذي يحدثه على مستويات متعددة. اقتصادياً، يخلق حركية واضحة في قطاعات السياحة والخدمات والإيواء، حيث تتحول الداخلة خلال فترة انعقاده إلى ورشة اقتصادية مصغّرة تستفيد منها مختلف الفئات المحلية. وثقافياً، يفتح المجال أمام التلاقي بين تجارب سينمائية متنوعة، ما يعزز الحوار بين الجنوب والشمال، وبين المدرسة الإفريقية ونظيراتها العالمية.

لكن الأهم من ذلك أن المهرجان يطرح سؤالاً أعمق يتعلق بدور الثقافة في بناء التنمية المستدامة. فحين تصبح السينما جزءاً من استراتيجية إشعاع مدينة، فإننا لا نتحدث عن ترف ثقافي، بل عن رؤية تعتبر الإبداع صناعة قادرة على إنتاج القيمة المضافة، وتغيير صورة المدن، وخلق فرص جديدة للتنمية غير التقليدية.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن المهرجان الدولي للفيلم بالداخلة يشكل نموذجاً مغربياً لنجاح السياسة الثقافية عندما تلتقي مع الرؤية التنموية. فهو لا يكتفي بتقديم عروض فنية، بل يساهم في ترسيخ مكانة الداخلة كوجهة ثقافية وسياحية صاعدة، ويمنحها بعداً دولياً يتجاوز حدودها الجغرافية.

كما أن استمرارية هذا المهرجان وتطوره يعكسان قدرة المغرب على الاستثمار في القوة الناعمة، وجعل الثقافة أداة لبناء الجسور بين الشعوب، وتعزيز حضور المدن المغربية في الفضاء العالمي عبر الفن والإبداع بدل الاقتصار على الأبعاد التقليدية للتنمية.

وفي النهاية، يمكن القول إن المهرجان الدولي للفيلم بالداخلة لم يعد مجرد تظاهرة سينمائية، بل أصبح مشروعاً ثقافياً متكاملاً يعيد رسم علاقة الداخلة بالسينما، ويحوّلها إلى مدينة تُنتج الصورة كما تستقبلها، وتبني مستقبلها عبر الفن قبل الاقتصاد.


مشاركة:

أضف تعليقك

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد.